الغزالي
77
إحياء علوم الدين
أولى بمؤاخذته لأنه الأصل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « التّقوى هاهنا » وأشار إلى القلب وقال الله تعالى * ( لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُه ُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) * « 1 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « الإثم حوّاز القلوب » وقال [ 3 ] « البرّ ما اطمأنّ إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك » حتى انا نقول ، إذا حكم القلب المفتي بإيجاب شيء ، وكان مخطئا فيه ، صار مثابا عليه . بل من قد ظن أنه تطهر ، فعليه أن يصلى ، فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ ، كان له ثواب بفعله . فإن تذكر ثم تركه ، كان معاقبا عليه . ومن وجد على فراشه امرأة ، فظن أنها زوجته ، لم يعص بوطئها ، وإن كانت أجنبية . فإن ظن أنها أجنبية . ثم وطئها ، عصى بوطئها ، وإن كانت زوجته . وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب ، الناظرين في صفاتها وعجائبها . اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق فقالت فرقة : الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل ، لأنه عليه السلام قال [ 4 ] « فإذا ذكر الله خنس » والخنس هو السكوت ، فكأنه يسكت وقالت فرقة : لا ينعدم أصله ، ولكن يجرى في القلب ولا يكون له أثر ، لأن القلب إذا صار مستوعبا بالذكر ، كان محجوبا عن التأثر بالوسوسة ، كالمشغول بهمه ، فإنه قد يكلم ولا يفهم ، وإن كان الصوت يمر على سمعه .
--> « 1 » الحج : 37